أبي منصور الماتريدي

374

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ الأنفال : 30 ] ونحوه . ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوها ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج : أحدها : أنهم رأوا أنفسهم مسلّطين على أولئك ؛ قاهرين عليهم ، وكانوا أهل كبر وتجبر ؛ ألا ترى أنه قال : وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [ إبراهيم : 15 ] دل هذا أنهم كانوا رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر . والثاني : قالوا ذلك لهم ؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل وبراهينهم ؛ فهمّوا قتلهم وإخراجهم ؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل ، وهكذا الأمر المتعارف بين الخلق : أنّ الخصم لا يقصد إهلاك خصمه ؛ ما دام له الوصول إلى الحجاج ؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهمّ بقتله ويقصد إهلاكه . والثالث : جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن منه . وقوله - عزّ وجل - : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا . الملة : الدين ؛ كقوله [ صلى اللّه عليه وسلّم ] : « لا يتوارث أهل الملتين » « 1 » وقوله [ تعالى ] : مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ النحل : 123 ] أي : دين إبراهيم . وقوله : لَتَعُودُنَّ ليس أنهم كانوا فيها وتركوها ؛ ولكن على ابتداء الدخول فيها على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وعد لهم النصر ؛ والظفر عليهم ؛ والتمكين في أرضهم مع قلة [ عدد ] « 2 » أتباع الرسل وضعف أبدانهم ؛ ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم ؛ ليعلموا أنهم قالوا ذلك بوحي من الله ؛ ووعده إياهم ، لا من حيث أنفسهم ، والله أعلم . فكان على ما أخبروا ؛ فكان ذلك من آيات رسالتهم ، وما ينبغي لهم أن يطلبوا [ لهم ] « 3 » من الرسل الآيات والحجج على ما ادعوا ؛ لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتها ؛ إنما دعوهم إلى وحدانية الله تعالى وألوهيته ، وجعل الطاعة والعبادة له دون ما عبدوها من الأصنام ، وذلك في شهادة خلقتهم ؛ وشهادة كل خلقة ؛ وإن لطف وصغر ؛ فلم يحتاجوا إلى أن يقيموا البراهين

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 12 / 50 ) كتاب الفرائض : باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ، حديث ( 6764 ) ، ومسلم ( 3 / 1233 ) كتاب الفرائض ، حديث ( 1 / 1614 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ .